يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
98
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
إليه دار الندوة المشهورة بمكة فباعها في الإسلام بمائة ألف درهم ، فلامه معاوية في ذلك وقال : أبعت مكرمة آبائك وشرفهم ؟ فقال حكيم : ذهبت المكارم إلا التقوى واللّه لقد اشتريتها في الجاهلية بزق خمر وقد بعتها بمائة ألف في الإسلام ، وأشهدكم أن ثمنها في سبيل اللّه فأيّنا المغبون . ذكر هذا الخبر الدارقطني رحمه اللّه ، وقد فعل نحو هذا معاذ بن عفراء رضي اللّه عنه باع حلة واشترى خمسة رؤوس فأعتقهم ، ثم قال : إن رجلا اختار قشرتين على عتق هؤلاء لغبين الرأي . وكان حكيم هذا من أفضل الزهاد . قال البخاري رحمه اللّه : قال حكيم : سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم قال : يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة ، فمن أخذه بسخاوة ونفس بورك له فيه ، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه كالذي يأكل ولا يشبع ، اليد العليا خير من اليد السفلى . قال حكيم : يا رسول اللّه والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا . فكان أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه يدعو حكيما إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه ، ثم إن عمر رضي اللّه عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه ، فقال عمر : أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم ، إني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه . فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى توفي رضي اللّه عنه . ولي في هذا المعنى مقطوعة لزومية قلتها على لسان الغير إذ لم يكن فيّ خير ، ولقد ذكرتها في التكميل وأوّلها : عشت في الناس كما * عاش حكيم بن حزام قابض الكف خميص * البطن مشدود الحزام إلى آخرها . وكان هذا من ورع حكيم وقناعته رضي اللّه عنه ، وإلا فقد خرج ابن سلام في قوله تعالى : وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [ المؤمنون : 72 ] قال : قد يجعل اللّه رزق العباد بعضهم من بعض برزق اللّه إياهم ، فجعل يقسم رزق هذا على يدي هذا ، وهو خير أفضل الرازقين . وهو تفسير السدي . ثم ساق حديثا عن أم الدرداء : ما بال أحدكم يقول اللهم ارزقني وقد علم أن اللّه لا يمطر عليه من السماء دراهم ولا دنانير وإنّما يرزق بعضهم من بعض . فمن ساق اللّه إليه رزقا فليقبله ، فإن كان عنه غنيا فليضعه في أهل الحاجة من إخوانه ، وإن كان محتاجا استعان به على حاجته ، ولا يردّ على اللّه رزقه الذي رزقه . وعن عمران القصير قال : لقيت مكحولا فأعطاني شيئا فانقبضت عنه ، فقال : خذه فإني سأحدثك بحديث فإنه أحب إلي منه ، فقال : أعطى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عمر شيئا فكأنه انقبض عن أخذه ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إذا آتاك اللّه